حيدر حب الله

114

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

والمزكّين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين » « 1 » . وقد كرّرت هذه الفكرة بصيغ وأساليب متعدّدة بعد البغدادي ، وإلى يومنا هذا ، فراجع . لكنّ هذا المنطلق الاعتباري يمكن مناقشته - بصرف النظر عن المبالغة التي لا يستبطنها الدليل ، والواردة في آخر كلام البغدادي ، حيث لم نعرف كيف عَرَف أنّ أيّ واحد من الصحابة أفضل من جميع المزكّين إلى يوم القيامة ؟ ! - ؛ وذلك : أوّلًا : لا شكّ في جهاد وتضحية وإيمان جمهور الصحابة المسلمين ، ولا توقّف عندي في هذا الأمر ، لكنّ هذا لا يُثبت عدالة الجميع ، حيث يصدق بالأغلبيّة ، فلا يُحرز أنّ كلّ صحابي - بالمفهوم الحديثي أو الأصولي - هاجر أو آوى أو ضحّى بالمال ، بل هذا خاصٌّ بطبقة منهم ، ولنفرضها طبقة المهاجرين والأنصار ، أو الثلّة القريبة من النبي والمحيطة به من الأصحاب ، فهذا التعميم لا دليل عليه ، فهل كلّ من رأى النبي يتصف بهذه الصفات كلّها ؟ ! إنّ هذا التوصيف توصيفٌ للمجتمع ككل ، لا لكلّ فردٍ فرد ، فلا يصحّ ترتيب آثار التعديل الاستغراقي الشمولي الأفرادي هنا . ثانياً : لا شك في صدق هذه العناوين في زمان النبي ، وعلى أبعد تقدير إلى ما قبل الفتنة زمان الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، أمّا بعد ذلك فكيف يمكن تبسيط كلِّ المشهد الدموي الذي حصل ، وكلِّ مظاهر التنازع والتخاصم والتقاتل بجعل ذلك بأكمله مجرّد اجتهادات ، ولو كان كذلك فلماذا تاب بعض الصحابة عن بعض ما فعلوه ما دام لم يذنبوا ؟ ! إنّ تبسيط المشهد إلى هذا الحدّ يسمح للطرف الآخر بتبسيط كلّ مظاهر الإيمان التي ذكرها الخطيب البغدادي ليجعلها مجرّد نفاق ووصوليّة وغنائم ومكاسب وسلطة ! وبالتالي فنحن نحتاج لمقاربة أعمق من مجرّد هذا الكلام .

--> ( 1 ) البغدادي ، الكفاية في علم الرواية : 66 - 67 .